الذكورة الوهمية: لماذا يخطئ جيلٌ كامل تعريف الرجولة؟
رحلة بين علم النفس التطوري وتراث "الفتوة" العربي والإسلامي، للتفريق بين القوة الحقيقية والتسلط الزائف الذي تبيعه لنا الشاشات.
تخيّل شابًا لطيفًا يتصفّح هاتفه، فيقابله فيديو لرجل بعضلات مفتولة يهتف: "إياك ومشاعرك.. خليك ألفا.. خليك سيجما.. خليك شبح!". بعد دقائق، يجده يزعق في عامل التوصيل، ويكشّر في وجه زملائه، ويتخاصم مع خطيبته لأنها تأخرت في الرد. حين يُسأل، يجيب بثقة: "أنا بطبّق قوانين الذكورة الحقيقية". هذا المشهد يتكرر يوميًا بنسخ مختلفة، وهو المدخل لسؤال أعمق: هل هذه هي الرجولة فعلًا؟ وماذا لو أخبرك العلم والتراث معًا أن هذا النموذج هو أبعد ما يكون عن القوة؟
المشهد الأول
1 عصر "الذكورة الوهمية"
انتشر على الإنترنت نموذج اختزل الرجولة كلّها في كلمتين: التبلّد والسيطرة. صار "الرجل الحقيقي" في هذا الخطاب هو من يكتم مشاعره تمامًا، ويتعامل مع من حوله بفوقية، ويقيس قوته بعدد من "دهسهم" في طريقه. وبين ليلة وضحاها، وجد كثير من الشباب أنفسهم محصورين بين خيارين أحلاهما مرّ: إما التحول إلى شخص متسلط وعدواني ليُثبت رجولته، وإما الانسحاب الكامل من أي مسؤولية باعتبارها "قيدًا" لا داعي له.
السؤال الذي يطرحه هذا المقال بسيط في ظاهره، عميق في أثره: هل العدوانية فعلًا مقياس للقوة؟ وللإجابة عنه، لا بد من الرجوع خطوتين إلى الوراء؛ الأولى إلى الغابة، حيث بدأ علم النفس التطوري يفكك أسطورة "الذكر الألفا"، والثانية إلى تراثنا العربي والإسلامي، حيث كان للرجولة تعريف مختلف تمامًا اسمه "الفتوة".
علم النفس التطوري
2 ماذا يقول علم النفس التطوري؟
قضى عالم الأعصاب والأحياء التطورية روبرت سابولسكي (Robert Sapolsky) من جامعة ستانفورد سنوات طويلة يراقب قردة البابون في غابات كينيا، ليدرس العلاقة بين المكانة الاجتماعية والهرمونات. كان الافتراض السائد أن "الذكر الألفا" -قائد القطيع- هو الأكثر عنفًا وصراخًا وضربًا لبقية القردة. لكن ما اكتشفه قلب هذه الفكرة رأسًا على عقب.
وجد سابولسكي أن الذكور الأكثر عدوانية داخل القطيع ليسوا بالضرورة الأقوى، بل غالبًا ما تكون سلوكياتهم مدفوعة بالخوف من فقدان مكانتهم، وترتفع لديهم مستويات هرمون التوتر "الكورتيزول" بشكل لافت. بعبارة أخرى: العدوانية المفرطة لم تكن علامة قوة، بل كانت علامة هشاشة نفسية وخوف داخلي من السقوط.
العدوانية الصاخبة غالبًا قناع للخوف الداخلي، بينما القيادة الحقيقية تنبع من الهدوء والثقة.
فمن هو "الألفا" الحقيقي إذن؟ اكتشف سابولسكي أنه الذكر الهادئ صاحب المستوى المنخفض من هرمون التوتر، الذي لا يتقاتل باستمرار، بل يتدخل فقط لحماية القطيع من خطر خارجي أو لفض نزاع بين صغار القردة. قوته لم تكن في العدوانية، بل في "الردع والحماية". وهذا يقودنا إلى إعادة فهم هرمون التستوستيرون نفسه: فهو ليس -كما يُشاع- "هرمون العنف"، بل هرمون البحث عن المكانة الاجتماعية، وهي مكانة يمكن الوصول إليها بالحماية والمسؤولية، تمامًا كما يمكن الوصول إليها بالعنف.
| وجه المقارنة | الزعيم الهادئ (القيادة الحقيقية) | الذكر المتوتر (الأداء الزائف) |
|---|---|---|
| مستوى هرمون الكورتيزول | منخفض ومستقر | مرتفع باستمرار |
| دافع السلوك | الحماية والمسؤولية | الخوف من فقدان المكانة |
| تكرار الصدام | نادر، عند الحاجة فقط | شبه يومي |
| علاقة القطيع به | ثقة وطمأنينة | خوف وترقّب |
من علم الأحياء إلى الحضارة
2 من الكهف إلى القهوة: جينات التعاون
لم يكن الإنسان البدائي يملك أنياب نمر، ولا سرعة فهد، ولا جلدًا سميكًا كالفيل. لو اعتمد على مبدأ "الأقوى يأكل أولًا ويضرب البقية"، لانقرض منذ زمن بعيد. السر الذي مكّنه من البقاء وبناء الحضارات هو "التعاون": لاصطياد حيوان ضخم، كانت القبيلة كلها بحاجة إلى الثقة المتبادلة.
ومن هنا وُلد نموذج قيادة مختلف تمامًا؛ لم تكن القبيلة تختار قائدها لأنه الأضخم جسدًا أو الأعنف صوتًا، بل لأنه القادر على احتوائها، والتفكير في خطة تحميها، والتضحية بوقته وجهده من أجلها. كانت القيادة تحمّلًا للمسؤولية لا تسلّطًا، والقائد الحقيقي هو من تلجأ إليه القبيلة وقت الخوف لتطمئن، لا من تخافه.
وحين نُسقط هذا على الأسرة اليوم: الرجل الذي يرتجف بيته من صوت مفاتيحه في الباب لم يبنِ قوة، بل بنى بيئة غير آمنة تهدد استقرار من حوله -وهذا، تطوريًا واجتماعيًا، فشل في أهم أدوار القيادة لا نجاح فيها.
التراث العربي والإسلامي
3 الفتوة والمروءة: الكتالوج العربي الأصيل
هل كنا فعلًا بحاجة لعلم النفس التطوري الحديث ليكتشف لنا هذه الحقيقة؟ أم أن هذا "الكتالوج" كان موجودًا لدينا منذ قرون، وإنما أضعنا مفتاحه؟ حين تُذكر كلمة "الفتوة" اليوم، يقفز إلى الذهن مشهد شعبي: شارب مرفوع، ونبوت، ومعارك في المقاهي. لكن في الفلسفة العربية والإسلامية، كانت "الفتوة" و"المروءة" تمثلان أعلى مراتب الرقي الإنساني، لا القوة العضلية.
«أن تعفو عمّن ظلمك، وتُعطي من حرمك، وتصل من قطعك»
قول مأثور في تعريف الفتوة، يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالبالفتوة هنا ليست كمال الأجساد، بل كمال الأخلاق؛ إنها القدرة على ضبط النفس، لا التحكم في الآخرين. وقد وضع النبي محمد ﷺ القاعدة الذهبية لهذا المعنى قبل أكثر من 1400 عام:
«ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنهو"الصُّرَعَة" هنا هي المصارِع الذي يغلب الناس بجسده. أما القوة الحقيقية في المنظور النبوي، فهي أن يملك الإنسان زمام غضبه، لا أن يفرغه على من حوله. وقد قامت المروءة في التراث العربي على ثلاثة أعمدة أساسية:
الشهامة
أن تكون أول من يمد يده في الأزمة، دون انتظار مقابل.
الغَيرة
أن تحمي عرضك وأهل بيتك بالحب والاحتواء، لا بالشك والتخوين.
التواضع
أن تزداد رحمتك بالضعفاء كلما زادت قوتك، لا العكس.
ومن أبلغ الشواهد على هذا المعنى، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه -وهو رمز الصلابة والهيبة- كان يتفقد بنفسه ليلًا شوارع المدينة، ليحمل كيس دقيق على ظهره ويوصله لأرملة وأطفالها الجياع. لم يكن يفعل ذلك ليثبت سيطرته، بل لأن القوة في هذا التصور "تخدم" الضعفاء، لا أن تكون سيفًا مسلطًا على رقابهم. وقد جاء مفهوم "القوامة" في القرآن الكريم بالمعنى نفسه، تكليفًا لا تشريفًا: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا» (سورة النساء: 34) — عبء رعاية وحماية وإنفاق، لا استعلاء.
خلاصة بصرية
4 جدول المقارنة: تسلط أم مروءة؟
يمكن تلخيص الفارق الجوهري بين النموذجين -المستورد الزائف، والأصيل المتجذر في علمنا وتراثنا- في الجدول التالي:
| المعيار | الذكورة السامة (الوهمية) | المروءة الحقيقية (الفتوة) |
|---|---|---|
| التعامل مع الغضب | تفريغ فوري، بلا ضبط | "يملك نفسه عند الغضب" |
| مصدر القوة | الصوت العالي والتهديد | الهدوء والثبات الداخلي |
| العلاقة بالمرأة | تعالٍ وتحكّم | رعاية واحتواء ومسؤولية |
| القيادة في البيت | خوف الأسرة منه | طمأنينة الأسرة به |
| الاعتراف بالخطأ | إنكار، لأنه "ضعف" | اعتذار، لأنه ذروة الثقة بالنفس |
| العلاقة بالمسؤولية | هروب عبر السيطرة أو الانسحاب | تحمّل طوعي ومستمر |
تشخيص الواقع
5 أزمة الاستقطاب في زمن التريند
يعيش الشاب العربي اليوم بين موجتين متطرفتين، وكأنه في خلاط فكري واحد. الموجة الأولى مستوردة، تسوّق "الذكورة السامة" بوصفها الأنانية والقسوة وسيلة لإثبات الذات. والموجة الثانية جاءت كردّ فعل متطرف، فحوّلت أي حزم أو قيادة إلى "تسلط مرفوض"، وصوّرت الرجل مجرد مصدر مادي بلا كلمة ولا دور. وكلا النموذجين، وإن بدا متناقضًا، يشترك في جوهر واحد: الهروب من المسؤولية.
نموذج التسلط
- يهرب من مجهود بناء الثقة بالاستسهال: الصراخ والسيطرة
- يقيس رجولته بخوف من حوله منه
- يرفض الاعتذار خشية أن يُقرأ ضعفًا
لعملة واحدة
نموذج الانسحاب
- يتخلى عن أي دور قيادي أو مادي بحجة "الحرية"
- يخلط بين الحزم الطبيعي والتسلط المرفوض
- يبرر التقاعس عن المسؤولية بأنه "وعي"
النتيجة في الحالتين واحدة: غياب الرجل الذي يمكن أن يُعتمد عليه دون أن يُخاف منه.
الخلاصة
6 كيف تبني رجولتك بعيدًا عن وهم التريندات؟
لست بحاجة لسيجار غالٍ، ولا سيارة رياضية، ولا نبرة فوقية لتشعر أنك "ألفا". وأنتِ -أيتها القارئة- لست مضطرة لقبول رجل يهينك تحت مسمى أنه "رجل حازم". العلم والبيولوجيا والتاريخ والدين، كلها تتفق على حقيقة واحدة: الرجولة طاقة بناء، لا طاقة هدم.
الرجل الحقيقي هو من يقدر على حمل أثقال الحياة -أثقال المسؤولية لا أثقال الحديد فقط- دون أن يكسر ظهر من حوله. هو من يعرف كيف يبكي بينه وبين ربه في لحظة ضعفه، ليقف صلبًا أمام الدنيا في لحظة قوته. نظرته تمنح الأمان، لا الرعب. ويعرف كيف يقول "آسف" حين يخطئ، لأن الاعتذار من القوي هو أقصى درجات الثقة بالنفس، لا الضعف.
"الرجولة ليست أن تجعل الناس تخاف منك.. الرجولة أن يطمئن الناس وهم معك."
لا يحتاج مجتمعنا نسخًا مشوهة من تجار الوهم على الإنترنت، بل شبابًا يدركون أن قوتهم الحقيقية تبدأ من لحظة قولهم "لا" لغضبهم وغرورهم، و"نعم" لشهامتهم ومروءتهم.
أسئلة شائعة
؟ أسئلة يتكرر طرحها حول الموضوع
توثيق
☰ المصادر والمراجع
- Sapolsky, R. M. — أبحاثه الميدانية على قردة البابون في كينيا حول العلاقة بين المكانة الاجتماعية وهرمون الكورتيزول، جامعة ستانفورد.
- Sapolsky, R. M. — A Primate's Memoir (2001), سيرة علمية توثّق سنوات مراقبته لقردة البابون.
- القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 34 — انظر: quran.com/4/34
- حديث «ليس الشديد بالصُّرَعَة» — متفق عليه (صحيح البخاري، صحيح مسلم)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. انظر: sunnah.com
- أدبيات "الفتوة" في التراث الصوفي والأخلاقي العربي، ومنها ما يُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب في تعريف الفتوة والمروءة.
- نقاشات علم النفس الاجتماعي المعاصر حول مفهوم "toxic masculinity" وأثره على الشباب في عصر منصات التواصل.